بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الصلاة و السلام على رسولنا و على اله الطيبين و صحابته اجمعين .
اللهم ارض عن ابي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و على بن ابي طالب والحسن و الحسين و فاطمة الزهراء و عائشة بنت ابي بكر الصديق و حفصة بنت عمر بن الخطاب و على جميع الصحابة و امهات المؤمنين.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
السخرية بالمتدينين أم بالدين؟
الدكتور/محمد بن عبد العزيز المسند
يعمد كثير من أهل النفاق وأصحاب القلوب المريضة إلى السخرية بالمتدينين وبعض مظاهر التدين، ويحتجّ بعضهم بأنّ قصده بهذه السخرية! نقد الأشخاص المتدينين وليس ذات الدين، بل إنّ أحدهم وهو أحد الكُتّاب في إحدى الصحف المحلية ، كتب في أحد منتدياتهم المعروفة بالفجور والإلحاد والسخرية بأهل العلم والدين، كتب مقالاً يقرّر فيه أمراً في غاية السوء والغرابة إذ يرى أنّ السخرية والاستهزاء من أنجع الحلول لمحاربة المتطرفين في نظره ـ وهو يعدّ كل متدين متطرفاً دون تفريق بين الغلاة القلة والغالبية المعتدلة كما تدلّ على ذلك سائر كتاباته ـ أمّا مرجعيته فيما قرّره فهو الغرب الكافر إذ يقول: "وقد جرب الغربيون كثيراً من الأساليب لمحاصرة التطرف بكل أشكاله، وبالذات في شكله العنصري والديني. وتقول الأبحاث أن السخرية، وبالذات السخرية المرسومة أو المصورة ( التلفزيون / الكاريكاتير) كان لها أعمق الأثر في مكافحة التطرف بكل أشكاله هناك".
وليته أخذ من الغرب أحسن ما عندهم، لكنّه أخذ السيئ من أخلاقهم! ممّا يتعارض مع دين الإسلام كما سيأتي.
ثمّ يواصل تقريره العجيب فيقول: "وبالقدر الذي يكون فيه الرسم ساخراً، أو مضحكاً؛ يكون تأثيره أقوى، ولا تتوقف السخرية عند الرسم، وإنما من خلال إطلاق (النكات) والكفشات التي تصور المتزمتين بصورة الإنسان الظلامي والبدائي والمتخلف وغير المتحضر، أو النصاب الذي يُخرب العقول...الخ".
إلى أن يقول: "دع الصغار يضحكون على المتطرف، وحوله إلى شخصية تافهة، وغبية، تعطيهم لقاح فعّال يحميهم من وباء التطرف الذي هو سبب كل مشاكلنا على كافة المستويات".
والجواب عمّا قرّره هذا الكاتب ( المتطرف ) من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الله ـ
ـ حرّم في كتابه الكريم السخرية مطلقاً، فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾[ الحجرات: 11 ].. فقد جاء لفظ ( قوم ) و ( نساء ) في الآية نكرة في سياق النهي، فيعمّ كلّ قوم وكلّ نساء.
ولهذا لم يرد أنّ رسول الله
سخر من أحد أو استهزأ بأحد لا من المسلمين ولا من الكفار. وقد روي عن بعض السلف أنّه قال: "لو سخرت من كلب لخشيت أن يعاقبني الله" ، فكيف بـ ( إنسان ) قد كرّمه الله
..! اللهم إلا أن يكون ذلك على سبيل المقابلة، وفي أضيق الحدود، كما حكى الله عن نوح قوله: ﴿إن تسخروا منا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون﴾
[هود: 38]، فهل علينا أن نتّبع كتاب الله وسنّة رسوله وسلفنا الصالح، أم نتبع الغرب الكافر؟!.
الوجه الثاني: أنني تتبعت جميع الآيات التي تحدثت عن السخرية في كتاب الله من قبل أهل الكفر والنفاق، فلم أجد فيها أنّهم سخروا بذات الدين وإنّما كانت سخريتهم بأهل الدين من المؤمنين ( المتدينين ). والذين هم في نظر أولئك الكفرة والمنافقين متطرفون ومتشددون، بل ضالون.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿زُيّن للذين كفروا الحياة الدين ويسخرون من الذين آمنوا..﴾[ البقرة: 212] فقال: ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ ولم يقل: ( من ذات الدين ). وقال تعالى عن المنافقين: ﴿الذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾[ التوبة: 79 ]، فقال: ( فيسخرون منهم ) ولم يقل ( فيسخرون من ذات الدين ). بل إنّ الله لمّا ذكر استهزاء المنافقين بالرسول
وأصحابه الكرام بقولهم فيهم: "ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء" ؛ عدّ الله ذلك استهزاء بالله سبحانه وبآياته ورسوله، وحكم عليهم بالكفر، فقال: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ..﴾[ التوبة : 65 ]، مع أنّهم لم يزيدوا على تلك الكلمات اليسيرات مقارنة بما يفعله منافقو هذا العصر من الإسفاف والفجور.
والسرّ في ذلك: أنّ السخرية بالمتدينين الذين هم حملة الدين وحماته وممّثلوه؛ هو في الحقيقة سخرية من الدين نفسه، وإن زعم الساخرون غير ذلك، وهذا لا يعني أنّ المتدينين كاملون معصومون، ولكنّ الحلّ لا يكون بالسخرية والاستهزاء والتهريج!، وإنّما بالنصح والتوجيه الحسن، هذا إن كان المقصود الإصلاح الحقيقي. على أن يكون الناصح قدوة في نفسه قبل أن ينصح غيره، وهذا ما لا يتوافر في هؤلاء المنافقين.
إنّ الأمم لا تنهض بالسخرية والاستهزاء بعلمائها وصالحيها وأهل الفضل فيها بحجّة التطرّف أو غيره، بل ولا حتى بالسخرية بفسّاقها وفجّارها، بل إنّ السخرية لا تزيد المتطرّف إلا تطرّفاً وغلوّاً، كيف إذا صدر هذا الاستهزاء من سفلة الأمّة وسفهائها ومنافقيها ممّن عُرفوا بالانحراف الأخلاقي أو الفكري أو كلاهما، وإنّ ما قرّره هذا الكاتب لهو أوضح مثال على ذلك.
إنّ الأمم إنّما تنهض بالترفّع عن سفاسف الأمور، والسعي الجادّ الدؤوب لخدمة البشرية وتقدّمها مادياً وروحياً، فليس التقدّم المادّي وحده كاف للنهوض دون الوقود الروحي والأخلاقي، وهذا ما تعاني منه الحضارة الغربية المعاصرة، فعلى الرغم من تقدّمها المادّي الهائل، إلا أنّها روحياً تكاد تحتضر، والمتأمّل في الأرقام والإحصائيات الصادرة من مراكز البحوث عندهم يلحظ بوضوح مدى ما وصلت إليه المجتمعات الغربية من التدهور الأخلاقي والتفكك الأسري والانفلات الأمني.. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر:
موقع شبكة نور الإسلام
منقول من موقع فضيلة الشيخ العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي - رحمه الله